الشنقيطي

357

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بالسحر أو الخديعة ، أو كونه بشرا - علمت أنه لا دليل في الآية على منع بعض التأثيرات العرضية التي لا تعلق لها بالتبليغ والتشريع كما ترى ، والعلم عند اللّه تعالى . وقد أشرنا فيما تقدم لحكم ساحر أهل الذمة ، واختلاف العلماء في قتله ، واستدلال من قال بأنه لا يقتل بعدم قتله صلّى اللّه عليه وسلّم لبيد بن الأعصم الذي سحره . والقول بأنه قتله ضعيف ، ولم يثبت أنه قتله . وأظهر الأقوال عندنا أنه لا يكون أشد حزمة من ساحر المسلمين ، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين . وأما عدم قتله صلّى اللّه عليه وسلّم لابن الأعصم فقد بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة ، فدل على أنه لولا ذلك لقتله . وقد ترك المنافقين لئلا يقول الناس محمد يقتل أصحابه ؛ فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق وهو عبارة عن المنافق - واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ( 70 ) [ 70 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى تبتلع جميع حبالهم وعصيهم خروا سجدا للّه تعالى قائلين : آمنا باللّه الذي هو رب هارون وموسى . فهداهم اللّه بذلك البرهان الإلهي ، هذه الهداية العظيمة . وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله في « الأعراف » : * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 120 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) [ الأعراف : 117 - 122 ] ، وقوله في « الشعراء » : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 46 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 ) [ الشعراء : 45 - 48 ] ، وقوله : فَأُلْقِيَ يدل على قوة البرهان الذي عاينوه ؛ كأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها . وذكر في قصتهم أنهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم . والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات ، وأطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم للّه مؤمنين به نظرا إلى حالهم الماضية ؛ كقوله : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [ النساء : 2 ] فأطلق عليهم اسم اليتم بعد البلوغ نظرا إلى الحال الماضية كما هو معروف في محله . والظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة فواصل الآيات . واعلم أن علم السحر مع خسته ، وأن اللّه صرح بأنه لا يضر ولا ينفع ، قد كان سببا لإيمان سحرة فرعون ؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا معجزة العصا خارجة عن طور السحر ، وأنها أمر إلهي فلم يداخلهم شك في ذلك ؛ فكان ذلك سببا لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد . ولو كانوا غير عالمين بالسحر جدا ، لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس الشعوذة . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ